‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقـــــــــــــــــــــالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقـــــــــــــــــــــالات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، أكتوبر 23، 2009

المكتبات الجامعية -1

دكتور عصام عبيد
تعد المكتبة الجامعية من بين المرافق الحضارية التي من شأنها أن تلعب دورا بارزا في التحسين من المستوى الجامعي من جهة، وتطوير البحث العلمي من جهة أخـرى, وذلك تبعا للتطورات التي عرفتها في وظائفها وأعمالها عبر مرور الزمـن، فبعد أن كانت بدايتها مجرد مكان لحفظ الإنتاج الفكري, ووضعه وفي متناول الباحثين, أصبح عليها الآن التماشي مع متغيرات العصر, وصارت خلية نشطة, حية, متجددة, ومركزا ضروريا في عمليـات حفظ المعلومـات, وتنظيمها وتحليلها, ونشرها, على المستوى الجامعي والاكاديمى.
تمهيد .....
المكتبة الجامعية جزء لا يتجزأ من المجتمع وتؤثر فيه وتتأثر به، ومن التأثيرات التي نلاحظها التحول في شكل المكتبة الجامعية من تقليدية إلى مكتبة حديثة، فظهور التكنولوجيات الحديثة من حاسبات وأجهزة اتصال متطورة ومختلفة يحتم ويوجب على المكتبة الجامعية تبديل نظامها كليا، وإدخال التكنولوجيا على جميع أعمالها ومصالحها الفنية والإدارية, من اجل التكيف والتعامل مع هذا المجتمع الالكتروني, وسيؤدي هذا إلى زيادة أهمية المكتبيين الذين أصبحوا يعرفون بما يسمى بأخصائيي المعلومات.

وهناك علاقة وثيقة بين المكتبة الجامعية وأنواع المكتبات الأخرى، فهي بالنسبة للمكتبة المدرسية إمتداد لها في مراحل التعليم الجامعي، وهى من بين المكتبات المتخصصة او الاكاديمية، ومن الممكن ان تقوم بدور المكتبة الوطنية فى بعض الدول، وذات صلة بالمكتبات العامة فى خدمة المجتمع المحيط بالجامعة، ومن هنا نجد ان المكتبة الجامعية حليفة للمكتبة الوطنية باعتبارهما مكتبات بحوث، لهما اهتمام أصيل بالضبط الببليوجرافي الوطني والعالمي، بل قد يندمجان معاً في بعض الدول.
ولعل المكتبات الجامعية أقرب المكتبات إلى مكتبات البحث، ومن هنا الجمعيات المشتركة بينهما كما هو الحال في الولايات المتحدة إذ تكونت جمعية مكتبات البحوث والكليات الجامعيةAssociation of College & Research Libraries ولكن مكتبات البحث نفسها قد تشمل بالإضافة إلى مكتبات البحث بالجامعات، المكتبات العامة الكبيرة أو المتخصصة، أو مكتبات البحوث المستقلة أو غيرها، وهذه تكون جميعها اتحاداً أو جمعية واحدة كما هو الحال أيضاً بالولايات المتحدة في جمعية مكتبات البحوث (ARL) Association of Research Libraries .
والمكتبات الجامعية يمكن أن تلعب دوراً تنموياً رائداً بمجتمعها المحلي، بتقديم الدعم البشري والمادي للمساهمة في حل بعض المشكلات المرتبطة بمحو الأمية الألفبائية أو أمية الحاسب، أو تلك المرتبطة بتطوير البحث العلمي من خلال توفير إمكانية الدخول على قواعد البيانات وتقديم الدعم اللازم للتدريب على الإبحار بتلك القواعد وكيفية الوصول للمعلومات المطلوبة، وكيفية إدراج الاستشهادات المرجعية لما يتم اقتباسه من مصادر المعلومات المتاحة ببيئة المشابكة الإلكترونية.

الأربعاء، فبراير 25، 2009

حقيقة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف


عبدالرحمن بن عبدالخالق

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد المبعوث رحمة للعالمين، وسراجاً منيراً للناس أجمعين، وحرزاً ونجاة للأميين.
وعلى آله وأصحابه الأخيار الأبرار الذين آمنوا به وعزروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأحبوه وعظموه كما لم يحب اتباع متبوعهم قط في العالمين.
وعلى كل من سلك سبيلهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد،،،
فهذه رسـالة قصيرة كتبتها في بيان حقيقة الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم مبيناً أن هذا الاحتفال بدعة منكرة اخترعها العبيديون الإسماعيلية الزنادقة الذين تسمّوا بالفاطميين وسرت منذ ذلك الوقت في أوساط المسلمين ولبسوا في كثير مما اخترعوه من البدع المنكرة.
ليبدلوا دين الرسول صلى الله عليه وسلم بدينهم الباطل وليكون ما يفعلونه استدراكاً على الله وعلى رسوله في التشريع وزيادة على ما تعبد به الصحابة الأولون، وليدخلوا أنفسهم ومن يحتفل بموالدهـم فيعظمونهم كما يعظم الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لتكون هذه الأعياد وقد كانت - مجالا واسعا للفساد والإفساد.
والله أسأل أن يكتب لهذه الرسالة القبول، وأن يهدي أمتنا إلى طريق الحق والصواب واتباع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
حقيقة الاحتفال بالمولد النبوي
- الاختلاف حول الاحتفال بالمولد النبوي ليس اختلافاً بين من يحب الرسول ويعظمه وبين من يبغضه ويهمل شأنه بل الأمر على العكس من ذلك تماماً.
- الفاطميون الإسماعيليون هم أول من ابتدع بدعة الاحتفال بالمولد النبوي.
- (الحقيقة المحمدية) في الفكـر الصوفي تختلف تماماً عما نؤمن به نحو النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

مقدمة :-

اطلعت على بعض المقالات التي يـروج أصحابها لفكرة الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، واتخاذ يوم ولادته عيداً ليكون ملتقى روحياً للمسلمين -على حد تعبيرهم- ومحاسبة النفس على مدى الاتباع والتمسك بالدين الإسلامي كما يزعمون..
وبالرغـم من أن هذا الموضوع قديم، وقد كتب فيه المؤيدون والمعارضون، ولن يزال الخلاف فيه -الا ما شاء الله- إلا أنني رأيت من واجبي تجلية بعض الحقائق التي تغيب عن جمهـور الناس عند نقاش هذه القضية.. وهذا الجمهور هو الذي يهمني الآن أن أضع مجموعة من الحقائق بين يديه ليعلم حقيقة الدعوة إلى الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم.. ولماذا ترفض هذه الدعوى من أهل التوحيد والدين الخالص والإسلام الصحيح.
ماذا يريد الدعاة
إلى الاحتفال بالمولد النبوي على التحديد؟

يصور دعاة الاحتفال والاحتفاء بيوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه هو مقتضى المحبة والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يوم مولده يوم مبارك ففيه أشرقت شمس الهـداية، وعم النور هذا الكون، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين، ولما سئل عن ذلك قـال: [هذا يوم ولدت فيه وترفع الأعمال إلى الله فيه، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم]، وأنه إذا كان العظماء يحتفل بمولدهم ومناسباتهم فالرسول صلى الله عليه وسلم أولى لأنه أعظم العظماء وأشرف القادة..
ويعرض دعاة الاحتفال بالمولد هذه القضية على أنها خصومة بين أحباب الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أعدائه وخلاف بين من يعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم ويقدرونه وينتصرون له، وبين من يهملونه، ولا يحبونه ولا يضعونه في الموضع اللائق به.
ولا شك أن عرض القضية على هذا النحو هـو من أعظم التلبيس وأكبر الغش لجمهور الناس، وعامة المسلمين، فالقضية ليست على هذا النحو بتاتاً فالذين لا يرون جواز الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم خوفاً من الإبتداع في الدين هم أسعد الناس حظاً بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، فهم أكثر الناس تمسكاً بسنته، واقتفاءاً لآثاره، وتتبعاً لحركاته وسكناته، وإقتـداء به في كل أعماله صلى الله عليه وسلم، وهم كذلك أعلم الناس بسنته وهديه ودينه الذي أرسل به، وأحفظ الناس لحديثه، وأعرف الناس بما صح عنه وما افتراه الكذابـون عليه، ومن أجل ذلك هم الذابون عن سنته، والمدافعون في كل عصر عن دينه وملته وشريعته بل إن رفضهم للإحتفال بيوم مولده وجعله عيداً إنما ينبع من محبتهم وطاعتهم له فهم لا يريدون مخالفة أمره، ولا الإفتئات عليه، ولا الإستدراك على شريعته لأنهم يعلمون جازمين أن إضافة أي شيء إلى الدين إنما هو استدراك على الرسول صلى الله عليه وسلم لأن معني ذلك أنه لم يكمل الدين، ولم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كل ما أنزل الله إليه أو أنه استحيا أن يبلغ الناس بمكانته ومنزلته، وما ينبغي له، وهذا أيضا نقص فيه، لأن وضع الرسول صلى الله عليه وسلم في مكانته من الدين الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغه وقـد فعل صلى الله عليه وسلم، فقد بين ما يجب على الأمة نحوه أتم البيان فقال مثلا [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين] (أخرجه البخاري ومسلم)
* وقال عمر بن الخطاب: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال : [لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك] فقـال -أي عمر- : فأنت الآن أحب إلي من نفسي، فقال: [الآن يا عمر] (أخرجه البخاري)..
والشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستحي من بيان الحق، ولا يجوز له كتمانه، ولا شك أن من أعظم الحق أن يشرح للناس واجبهم نحوه، وحقه عليهم، ولو كان من هذا الحق الذي له أن يحتفلوا بيوم مولده لبينه وأرشد الأمة إليه.
وأما كونه كان يصوم يوم الاثنين وأنه علل ذلك أنه يوم ولد فيه، ويوم ترفع الأعمال إلي الله فيه، فإن أحباب الرسول صلى الله عليه وسلم على الحقيقة يصومون هذا اليوم من كل أسبوع اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وأما أولئك الملبسون فإنهم يجعلون الثاني عشر من ربيع الأول يوم عيد ولو كان خميساً أو ثلاثاءً أو جمعةً.
وهذا لم يقله ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يثبت أنه صام الثاني عشر من ربيع الأول، ولا أمر بصيامه.
فاستنادهم إلى إحيـاء ذكرى المولد، وجعل الثاني عشر من ربيع الأول عيداً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صام يوم الاثنين تلبيس على عامة الناس وتضليل لهم.
والخلاصة : -
أن الذين يُتهمون بأنهم أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم ومنكرو فضله، وجاحدوا نعمته، كما يدّعي الكذابون هم أسعد الناس حظا بإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومحبته، وهم الذين علموا دينه وسنته على الحقيقة.
وأما أولئك الدعاة إلي الاحتفال بالمولد فدعوتهم هذه نفسها هي أول الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول الكذب عليه، والاستهانة بحقه.
لأنها مزاحمةٌ له في التشريع واتهام له أنه ما بيّن الدين كما ينبغي، وترك منه ما يستحسن، وأهمل ما كان ينبغي ألا يغفل عنه من شعائر محبته وتعظيمه وتوقيره، وهذا أبلغ الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه نقطة الفصل في هذه القضية، وبداية الطريق لمعرفة من اهتدى ومن ضل فيها.
فدعاة المولد -بدعوتهم إليه- مخالفون لأمره صلى الله عليه وسلم، مفتئتون عليه، مستدركون على شريعته، ونفاة المولد متبعون للرسول صلى الله عليه وسلم، متابعون لسنته، محبون له، معظمون لأمره غاية التعظيم متهيبون أن يستدركوا عليه ما لم يأمر به، لأنه هو نفسه صلى الله عليه وسلم حذرهم من ذلك فقال : [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد] (أخرجه البخاري ومسلم) و [من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد] (أخرجه البخاري ومسلم)

مَنْ هَؤُلاَءِ؟ ومَنْ هَؤُلاَءِ؟
وهنا يأتي السؤال: من الداعون إلى المولد ومن الرافضون له؟ والجواب أن الرافضين للمولد هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الكـرام، ونقول الرافضين -تجوزاً- فالمولد هذا ما كان في عصرهم قط، ولم يعرفوه أبدا، ولا خطر ببالهم أصلا، وعلى هذا كان التابعون وتابعوهم وأئمة السلف جميعاً ومنهم الأئمة الأربعة أعلام المذاهب الفقهية المشهورة.
وعلماء الحديث قاطبةً إلا من شذ منهم في عصور متأخرة عن القرون الثلاثة الأولى قرون الخير، وكل من سار على دربهم ومنوالهم إلى يومنا هذا.
وهؤلاء هم السلف والأمة المهتدية الذين أمرنا الله باتباعهم والترضي عنهم، وفيهم الخلفاء الراشدون المهديون الذين أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنتهم فقال : [عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة] (أخرجه ابن أبي عاصم في (السنة) والترمذي وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية وصححه الألباني)
فهل كان هؤلاء من جعل يوم مولده عيداً، ومن خصه بشيء من العبادات أو العادات أو التذكير أو الخطب، أو المواعظ.
وإذا كانت الأمة الصالحة هي ما ذكرنا وهي التي لم تحتفل بيوم مولده، وتركت ذلك تعظيماً للرسول صلى الله عليه وسلم لا إهانة له، ومعرفة بحقه لا جحوداً لحقه، فمن إذن الذين ابتدعوا الاحتفال بمولده، وأرادوا -في زعمهم- أن يعظموا الرسول صلى الله عليه وسلم بما يعظمه به سلف الأمة الصالح، وأرادوا أن يحيُّوُهُ صلى الله عليه وسلم بما لم يُحَيِّه به الله؟
والجواب: أن أول من ابتدع ذلك هم ملوك الدولة الفاطمية في القرن الرابع الهجري ومن تسمى منهم باسم (المعز لدين الله) ومعلوم أنه وقومه جميعا إسماعيليون زنادقة، متفلسفون. أدعياء للنسب النبوي الشريف، فهم من ذرية عبد الله بن ميمون القداح اليهودي الباطني وقد ادعوا المهدية وحكموا المسلمين بالتضليل والغواية، وحولوا الدين الى كفر وزندقة وإلحاد، فهذا الذي تسمى (بالحاكم بأمر الله)، هو الذي ادعى الألوهية وأسس جملة من المذاهب الباطنية الدرزية احدها، وأرغم المصريين على سب أبي بكر وعمر وعائشة وعلق ذلك في مساجد المسلمين ومنع المصريين من صلاة التراويح، ومن العمل نهاراً إلى العمل ليلاً ونشر الرعب والقتل واستحل الأموال وأفسد في الأرض، مما تعجز المجلدات عن الإحاطة به. وفي عهد هؤلاء الفاطميين أيضا وبإفسادهم في الأرض أكل المصريون القطط والكلاب وأكلوا الموتى، بل وأكلوا أطفالهم.
وفي عهد هؤلاء الذين ابتدعوا بدعة المولد تمكن الفاطميون والقرامطة من قتل الحجاج وتخريب الحج، وخلع الحجر الأسود.
والخلاصة:
أن بدعة المولد نشأت من هنا، وهل يقول عاقل أن هؤلاء الزنادقة الملحدون قد اهتدوا إلي شيء من الحق لم يعرفه الصديق والفاروق وعثمان وعلي والصحابة والسلف الأئمة وأهل الحديث؟ هل يكون كل هؤلاء على باطل وأولئك الكفرة الملاعين على الحق؟ وإذا كان قد اغتر بدعوتهم بعض من أهل الصلاح والتقوى وظن -جهلاً منه- أن المولد تعظيم للرسول صلى الله عليه وسلم ومحبة له هل يكون الجاهلون المغفلون حجة في دين الله؟!

ماذا في المولد؟ وما الذي يصنع فيه؟
ونأتي الآن إلى سؤال هام: وماذا في المولد؟ وما الذي يصنع فيه؟

والجواب:
أن الذين يحتفلون بالمولد هم في أحسن أحوالهم مبتدعون، مفتئتون على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستدركون عليه. مجهلون لسلف الأمة وأئمتها. هذا في أحسن الأحوال إذا صنعوا معروفا في الأصل لتذكر لنعمة الله بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم، وقراءة في سيرته وصلاةٍ وسلامٍ عليه، وإظهارٍ للفرح والسرور بمبعثه، ونحو ذلك مما هو من الدين في الجملة ولكنه لم يشرع في هذه المناسبة. ولكن الحق أن أهل الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم هم في العموم ليسوا على شيء من هذا أصلا.
فالمولد عندهم بدعة أنشأت بدعاً منكرة، بل شركاً وزندقة، فالاحتفال بالمولد عند أهله المبتدعين نظام وتقليد معين، واحتفال مخصوص بشعائر مخصوصة وأشعار تقرأ على نحو خاص، وهذه الأشعار تتضمن الشرك الصريح، والكذب الواضح، وعند مقاطـع مخصوصة من هذا الشعر يقوم القوم قياماً على أرجلهم زاعمين أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل عليهم في هذه اللحظة ويمدون أيديهم للسلام عليه، وبعضهم يُطفئ الأنوار، ويضعون كذلك كأساً للرسول صلى الله عليه وسلم ليشرب منه، فهم يضيفونه في هذه الليلة!! ويضعون مكاناً خاصاً له ليجلس فيه بزعمهم - إما وسط الحلقة، وإما بجانب كبيرهم.. الذي يدَّعي بدوره أنه من نسله...
ثم يقوم (الذِكر) فيهم علي نظام مخصوص بهز الرأس والجسم يميناً وشمالاً وقوفاً على أرجلهم، وفي أماكن كثيرة يدخل حلقات (الذِكر) هذه الرجال والنساء جميعاً.
وتذكر المرأة هزاً علي ذلك النحو حتى تقع في وسط الجميع ويختلط الحابل بالنابل حتى أن شعوباً كثيرة ممن ابتليت بهذه البدعـة المنكرة اذا أرادت أن تصف أمرا بالفوضى وعدم النظام يقولون (مولد) يعنون أن هذا الأمر في الفوضى وعدم النظام يشبه الموالد.
والعجيب أن هذه الزندقة التي ابتلي به العالم الإسلامي منذ الفاطميين وإلى يومنا هذا -وإن كان قد خف شرها كثيراً- والتي ابتدعها القوم تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم في زعمهم لم يقصروها على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل جعلوا لكل أفاكٍ منهم مولداً، ولكل زنديق مدع للولاية مولداً، وبعض هؤلاء يعظم مولد هؤلاء ما لا يعظمون مولد الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذا مولد من يسمى (بالسيد البدوي) الذي لا يعرف له اسم ولا نسب والذي لم يثبت قط أنه صلى جمعة أو جماعـة والذي لا يعرف أيضاً أكان ذكراً أم أنثى حيث أنه لم يكشف وجهه قط!! وكان ملثماً أبداً!! هذا (السيد البدوي) والذي أنكر أهل مكة أن يكون منهم أو يعرفوه - يحتفل بمولده أعظم من الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإلى اليوم يجتمع بمولده في أسبوع واحد أكثر من سبعة ملايين شخص وهو عدد أعظم من العدد الذي يجتمع في الحج.
فإذا كان أمثال هؤلاء تُعظم موالدهم واحتفالاتهم على نحو ذلك، فهل يكون هذا أيضاً من تعظيم الرسول؟!
وهل من تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل (المعز الفاطمي) وهو الذي ابتدع بدعة المولد النبوي. لنفسه مولداً كمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهل أراد تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته حقا؟! وإذا كانوا قد نافسوه في هذه العظمة بل احتفلوا بغيره أعظم من احتفالهم به صلى الله عليه وسلم فهل هذا دليل محبتهم وتوقيرهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
فليتهم اذا ابتدعوا بدعة المولد أن يكونوا قد حرموها على غير رسـول الله صلى الله عليه وسلم وقصروها عليه لمنزلته ومكانته، ولكنهم ابتدعوه قنطرة يقفزون عليها لتعظيم أنفسهم واتباع أهوائهم، وجعل هذا مناسبة لترويج مذاهب بعينها وعقائد مخصوصة يعرفها من قرأ شيئا عن الفكر الصوفي والفكر الباطني..

عقيدة الأمة في الرسول غير عقيدة هؤلاء!
والحق أن عقيدة الأمة الإسلامية المهتدية في الرسول صلى الله عليه وسلم غير عقيدة هؤلاء المبتدعين..
فرسـول الله صلى الله عليه وسلم عند المسلم الحقيقي هو النبي والرسول الذي تجب طاعته قبل كل أحد وبعد كل أحد، ولا تجوز معصيته، والذي يجب محبته فوق كل أحد والذي لا دخول للجنة إلا بمحبته وطاعته واقتفاء أثره، وأنه النبي الخاتم الذي جاء بالتوحيد والإيمان والدين الصحيح الذي يعبد به الله وحده لا شريك له..
وأما أولئك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عندهم غير ذلك تماما فالرسول صلى الله عليه وسلم عند هؤلاء هو أول من خلق الله من الهباء -في زعمهم- وهو المستوي على عرش الله، والذي من نوره هُوَ خلق العرش والكرسي والسموات والأرض، والملائكة والجن والإنس وسائر المخلوقات وهذه عقيدة ابن عربي (صاحب الفصوص والفتوحات المكية)، واقرأ في ذلك (الذهب الإبريز لعبد العزيز بن مبارك السجلماسي) وانظر كتابنا (الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة) باب: (الحقيقة المحمدية) (ص 151) وانظر فيه ما قاله محمد عبده البرهامي في كتابه (تبرئة الذمة في نصح الأمة)!!
والذي يدعي فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لجبريل من يأتيك بالوحي يا جبريل؟ فقال جبريل تمتد يد من خلف الحجاب فتعطني الآيات فآتيك بها.. فكشف الرسول صلى الله عليه وسلم في زعمهم - عن يده وقال مثل هذه يا جبريل؟! فقال جبريل متعجبا : (منك وإليك يا محمد) فانظر هذه هي عقيدتهم في الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أنزل الوحي من السماء وتلقاه في الأرض.
وقـد فصَّل هذه العقيدة عبد الكريم الجيلي الصوفي الزنديق في كتابه (الإنسان الكامل).. فانظره إن شئت.
فالرسول صلى الله عليه وسلم عندهم ليس هو الرسول عندنا بل هو عند أساطينهم ومحققيهم هو الله المستوي على العرش، وعند جهلائهم وأغبيائهم هو المخلوق من نور العرش، أو من نور الله وهؤلاء ربما يعتقدون أن الله موجود قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن العرش مخلوق قبل الرسول صلى الله عليه وسلم.. ولكن أولئك (المحققين في زعمهم) يعتقدون أن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم سابق على وجود العرش بل وجود كل مخلوق لأنه أول (التعينات) أي أول من أصبح عيناً أي شيئاً معيناً ومن نوره تخلقت كل الخلائق بعد ذلك.
وأما المغفلون منهم فيقـول يا أول خلق الله ظانين أنه مخلوق قبل كل البشر فهو عندهم مخلوق قبل آدم نفسه وأولئك يقولون يا أول خلق الله على الأرض قبل العرش والكرسي والسموات والأرض والجنة والنار بل كل هذه في زعمهم خلقت من نور الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولا شك أن هذا كفر وهذا كفر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قد خُلِق بشَراً كما يُخلق سائر البشر وكان خلقه في وقت تكونه نطفة فعلقة فمضغة.. ووليداً {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ} (الكهف:110)
ولا يخفى أيضاً أن هؤلاء المبتدعين لم يخطئوا فقط في حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم بل كذلك أخطئوا في إعطاء كل ما يجب لله أعطوه للرسول صلى الله عليه وسلم، من دعاء له واستغاثة به، وعبادة بكل معاني العبادة.
وهذه أمور لا يتسع المقام لذكرها.
والخلاصة:
أننا يجب أن نفهم هـذا الأمر الذي يبدو صغيراً في أوله ولكنه عظيم جداً في نهايته فالاحتفال بالمولد: أوله بدعة وآخره كفر وزندقة.
والاختلاف فيه ليس كما يصوره الداعون إلى المولد أنهم ورَّاث الرسول صلى الله عليه وسلم وأحبابه يدافعون عن شرف النبي صلى الله عليه وسلم ويخاصمون من يتركون فضله ومنزلته، بل الأمر على العكس تماماً: إن المنكرين للمولد منكـرون للبدعة، محبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يريدون مخالفة أمره، والاستدراك عليه، متبعون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين، والأئمة المهديين وأما أولئك فهم على سنة الزنادقة الإسماعيلية سائرون وببدعتهم وكفرهم معتقدون، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون.
هذا والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة في العالمين إلى يوم الدين.


الأربعاء، فبراير 04، 2009

العلاج بالقراءة.. داووا مرضاكم بالكلمة


"هنا علاج الروح" "هنا بيت علاج النفس"
كلمات كانت تُكتب على جدران المكتبات المصرية القديمة، مثل: مكتبة معبد رمسيس، ومكتبة معبد إدفو، مكتبة معبد دندرة، ثم ينتقل هذا الشعار إلى البابليين والآشوريين، ثم إلى الرومان واليونان.. في دلالة واضحة على أن الكتاب يمكن أن يُستخدم في علاج الروح إذا سقمت، والنفس إذا اعتلت.
هكذا بدأ حديثه الأستاذ الدكتور "شعبان عبد العزيز خليفة" أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة القاهرة في الندوة التي عقدت بـ"مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار" التابع لمجلس الوزراء المصري، بالتعاون بين قطاع المكتبات بالمركز والجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات، في السادس والعشرين من شهر مايو الماضي تحت عنوان: "العلاج بالقراءة"، وهو نفس عنوان ذلك المرجع الضخم الذي عكف الأستاذ الدكتور خليفة على جمع مادته طيلة عشرين عاما، ليكون بذلك أول مرجع باللغة العربية في هذا المجال الشائق الممتع.
التعريف.. من هنا يبدأ الاختلاف
لا تنتهي الأزمة الحقيقية في قضية العلاج بالقراءة –كما يقول د. شعبان خليفة– بالاتفاق على تعريف محدد لهذا العمل، ولكنها في الواقع تبدأ به.
فقد تعددت تعريفات العلاج بالقراءة Bibliotheraby وتنوعت بتنوع وجهات نظر واضعيها واختلاف مشاربهم؛ فالتعريف الذي يضعه الأطباء يختلف عما يرتضيه علماء النفس، ويختلف هذا وذاك عما يراه المكتبيون مناسبا.
فبعض التعريفات قد تجنبت ربط الببليوثيرابيا ربطا مباشرا بالطب، واعتبرتها عاملا مساعدا في الطب البدني والنفسي، لا علاجا في حد ذاتها، بينما يرى البعض الآخر أنها -أي الببليوثيرابيا – علاج في حد ذاتها، تقف على حد سواء مع الطب البدني والنفسي، من منطلق أن من يمرض بكلمة يشفى بكلمة.
وحتى لا نلقي بأنفسنا في معركة التعريفات يمكننا أن نستخلص هذا التعريف العام الذي يعرف الببليوثيرابيا بأنها "علاج المرض باستخدام الكتب وغيرها من مواد القراءة".
ويقسم الدكتور شعبان خليفة الأمراض التي تصيب الإنسان إلى أربع فئات في مقابل أربعة أنواع من العلاج؛ فهناك المرض البدني البحت الذي يعالج بالعقاقير والجراحة فقط، وهناك المرض الروحي البحت الذي يعالج كلية بالقراءة، وهناك المرض النفسبدني الذي يعالج بالقراءة والعقاقير معا، وهناك المرض البدني النفسي الذي يعالج بالعقاقير والقراءة معا.
وربما كان للتركيز على "الإنسان الكلي" كطريقة للعلاج في العقود الأخيرة أثره على الاعتراف بأن الإنسان ليس سوى كل متكامل من الاحتياجات الفيزيقية، والنفسية، والعقلية؛ وهو ما دفع بعملية العلاج بالقراءة خطوات إلى الأمام، حتى ظهرت مجموعة من العلاجات المساعدة للعلاج الطبي مثل العلاج بالشعر، والعلاج بالموسيقى، والعلاج بالفن... وقد أخذ العلاج بالقراءة مرتبة عالية بين تلك العلاجات الجديدة.
ولعل من أجمل ما قيل في هذا الصدد -حسما لمعركة التعريفات- ما قالته مارجريت مونرو في خطاب لها في إحدى الحلقات المنعقدة في مدرسة المكتبات بجامعة ويسكونسن عام 1968 عندما سألت عن تعريف سليم ودقيق للببليوثيرابيا ولم يجبها أحد؛ وهو ما دعاها إلى القول بأن جوهر استخدام الكتب في مساعدة القراء على حل مشاكلهم هو أهم بكثير من المصطلح نفسه، ولا يجب أن ندوس الوظائف النبيلة لهذا العمل في سبيل بحثنا عن تعريف للمصطلح.
ومصداقا لذلك فإن دراسة متأنية للإنتاج الفكري في المكتبات، والتربية، وعلم النفس عبر الخمسين عاما الماضية، تكشف عن استخدام العلاج بالقراءة في علاج مجموعة من المخاوف Phobias (كالخوف من الظلام، والأماكن المرتفعة، الأماكن المغلقة....) وكذلك في علاج القلق، والمشاكل الجنسية، ومشاكل الاتجاهات (كالعنصرية، والعرقية، والنرجسية...)، كما استخدم العلاج بالقراءة في علاج مجموعة أخرى من المشاكل المعقدة مثل الافتقار إلى العلاقات، والدافعية، والتوتر، ضبط الوزن، وكذلك بعض المشاكل الاجتماعية كالطلاق، والشيخوخة، فقدان الأهل... وغيرها من الأمراض، حتى عدد الدكتور خليفة أكثر من عشرين مرضا يمكن للقراءة أن تسهم في علاجها.
التاريخ.. في البدء كانت كلمة
لعل أول إشارة إلى العلاج بالقراءة في معناها الواسع –أي استخدام الكتب في علاج المرض- قد جاءت من القرن الثالث عشر في العصور الوسطى الإسلامية، حيث كان القرآن الكريم يُستخدم لعلاج المرضى في مستشفى المنصور بالقاهرة، فقد كان من برنامج العلاج بالجراحة والعقاقير، ترتيب بعض المقرئين ليقرءوا القرآن للمرضى ليل نهار.
وقد شهدت القرون التالية مزيدا من استخدام الكتب المقدسة والكتابات الدينية الأخرى في علاج المرضى؛ وهو ما أدى إلى دعم مكتبات المستشفيات، والمؤسسات العلاجية، بمجموعات من الكتب الدينية.. هكذا بدأت أولى مكتبات المرضى.
وفي أوروبا في نهاية القرن الثامن عشر مورس العلاج بالقراءة -وإن كان لم يعرف بهذا الاسم– حين قام البعض باستخدام القراءة لعلاج المجانين والمخبولين. وقد اشتهر بنيامين روش بأنه أول من أوصى بالقراءة في علاج المرضى، وكان ذلك عام 1802.
لقد ارتبط العلاج بالقراءة منذ مطلع القرن التاسع عشر بتطور الخدمات المكتبية في المستشفيات خاصة مستشفيات الأمراض العقلية في الولايات المتحدة، ولكن على وجه العموم يعتبر العلاج بالقراءة ثمرة هامة من ثمرات النصف الأول من القرن العشرين، مع ازدياد عدد المستشفيات الداخلة إلى مجال القراءة العلاجية، ومع زيادة عدد مكتبات المستشفيات التي أصبحت مراكز للتدريب على أعمال العلاج بالقراءة.
وخلال الحرب العالمية الأولى لقيت عمليات العلاج بالقراءة دفعة قوية ممارسة وتنظيرا؛ فقد قام المكتبيون والأشخاص العاديون وعلى رأسهم الصليب الأحمر واتحاد المكتبات الأمريكية ببناء المكتبات وتجهيزها بالمجموعات في المستشفيات العسكرية.
وبعد الحرب العالمية الثانية انتعشت عمليات العلاج الجماعي، وكان سبب هذا الانتعاش اقتصاديا حيث كان عدد المرضى كثيرًا جدا، ولا يوجد عدد كاف من الأطباء، فكان الإخصائي الواحد في العلاج الجماعي يتناول عشرين حالة بدلا من أربع حالات فقط في طريقة التحليل النفسي.
روباكن.. ضد دفن الكتب
إلا أن العلامة الفارقة في هذا المجال -كما يراها الدكتور شعبان خليفة - هي نيقولاس روباكن - روسي الأصل- المؤسس الحقيقي لعلم نفس الكتاب Bibliopsychology ، والذي كرس حياته للكتب، التي كان يرى فيها أداة هامة للتنوير.
تعامل الرجل خلال حياته الطويلة -84 عاما- مع الكتب من مختلف أوجه التعامل مؤلفا، وناشرا، ومكتبيا، جامعا للكتب، وقارئا، فكتب 280 كتابا في العلوم العامة، كما كتب 49 كتابا متقدما لأصحاب الثقافة الرفيعة.
وضع روباكن قوانين لعلم نفس الكتاب، يرى من يتأملها أنها أساس صالح للعلاج بالقراءة، ومن أمثلة هذه القوانين: "الكتاب ليس وعاء لنقل المحتويات، ولكنه وعاء يعلق عليه القراء إسقاطاتهم، ذلك أن القارئ إنما يجسد ظواهره النفسية طبقا للكتاب الذي يقرأه، وكل قارئ يعرف إسقاطاته، ولا يعرف الكتاب نفسه"، وكذلك قوله: "هناك قوتان تعتملان خلال القراءة: عقل المؤلف الذي أبدع الكتاب، وعقل القارئ الذي يعيد إبداع أو تركيب الكتاب طبقا لأغراضه هو".
وضع روباكن مجموعة من الاختبارات والمقاييس لتصنيف القراء، وتصنيف الكتب الملائمة لكل فئة منهم، وقد حدد لكل قارئ درجة نجاح من أرقام مصممة على حسب متوسط عدد استجاباته النفسية عند القراءة، وكذلك حدد لكل كتاب درجة نجاح على حسب متوسط عدد الاستجابات التي يثيرها لدى القارئ. وكان يرى أن هذه المعلومات يمكن أن تحسن من وضع أمين المكتبة كمرشد للقراء؛ لذلك عندما شعر الرجل أن نظريته سوف تحمل المكتبيين على تغيير اتجاهاتهم، قال بالحرف الواحد: "يجب عليهم أن يحولوا اهتمامهم من الكتاب كما يرونه مادة علمية إلى الحياة الداخلية للشخصية الإنسانية، إنه الإنسان الذي يبدع وينشئ ويركب، والكتاب ليس سوى وسيلة أو آلة لذلك، وأمين المكتبة الذي لا يدرك ذلك إنما يحول أحسن مكتبة في العالم إلى مقبرة للكتب".
الإيمان طريق الشفاء
يقول د. شعبان خليفة: من الناحية النظرية البحتة يمكن القول بأن أي إنتاج فكري مهما كان موضوعه يمكن استخدامه بطريقة أو بأخرى في العلاج بالقراءة، حتى الإنتاج الفكري في مجالات بعيدة تماما مثل الكيمياء والفلك والرياضيات. إلا أنه من الناحية العملية تبرز فئات معينة من الإنتاج الفكري التي تستخدم بفاعلية ونجاح في العلاج بالقراءة، ويعدد الدكتور خليفة اثني عشر نوعا من المواد القرائية كالشعر، والأدب، والتراجم، الخيال العلمي، وكتب الروح... وغيرها، ويأتي على رأس هذه المواد الكتب السماوية المقدسة (وعلى رأسها القرآن الكريم)، والأحاديث النبوية الشريفة.
وعن الحكمة من ذلك يقول الدكتور خليفة بأن المؤمنين يدركون تمام الإدراك أن الله سبحانه وتعالى يعرف النفس البشرية ويحيط بها إحاطة الخالق بمخلوقه، لذلك فهو عندما يصفها ويحللها ويضع العلاج لتقويمها فإن ذلك العلاج هو العلاج الشافي والواقي.
وشرط التداوي بالكتب السماوية وعلى رأسها القرآن الكريم هو الإيمان أولا وأخيرا بما ورد فيه، والاعتقاد في قدرة آياته على الشفاء حين تستخدم في موضعها الصحيح. ولعل هذا ما جاءت به الكثير من الآيات القرآنية الكريمة مثل قوله تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين"، وكذلك قول عمر بن الخطاب: "من لم يشفه القرآن فلا شفاه الله، ومن لم يكفه القرآن فلا كفاه".
جدير بالذكر أنه قد أجريت تجارب للعلاج بالقرآن الكريم في ولاية فلوريدا على خمسة من المتطوعين الأصحاء من غير المسلمين، ووجد أنه في 97% من تلك الجلسات كان لتلاوة القرآن الكريم أثرها على تهدئة الجهاز العصبي لديهم، ووجود تغيرات فسيولوجية لديهم تدل على تخفيف حدة التوتر رغم أنهم من غير الناطقين بالعربية.
المغامر.. والعقل الجميل
كان مما أثرى الندوة وألقى ظلالا تجريبية عليها، أن كان بين الحضور الأستاذ عبد الله حسين المدرس المساعد بقسم المكتبات جامعة القاهرة، والذي لقبه الأستاذ الدكتور شعبان خليفة بالمغامر لأنه قد سجل موضوعه لدرجة الدكتوراه في هذا المجال الشائك في حين يفضل أترابه التسجيل في موضوعات سهلة مطروقة.
يعكف الأستاذ عبد الله منذ أربع سنوات على دراسة بعنوان: "إفادة المرضى من مكتبات مستشفيات الصحة النفسية: دراسة تجريبية" تحت إشراف أ. د. "محمد فتحي عبد الهادي" أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة القاهرة، وأ. د. "يحيي الرخاوي" أستاذ الطب النفسي كمشرف مشارك.
ويركز الأستاذ عبد الله في دراسته على مرضى الفصام، لذلك –وأثناء الحديث عن هذا المرض– قال: لم أستغرب أن يتحول كتاب Beautiful Mind أو "العقل الجميل" إلى فيلم سينمائي يحصد جوائز الأوسكار ويحقق أعلى الأرباح، حيث رشحت هذا الكتاب ضمن قائمة الكتب المرشحة لعلاج مرض الفصام.
ورغم تحفظه على نتائج دراسته، ألقى الأستاذ عبد الله حسين الضوء على تجاربه الميدانية في هذا المجال، وكان من ضمن ما ذكره أن المرضى النفسيين لديهم حساسية أكثر لما يلقى إليهم من المعلومات؛ ذلك لأننا نعاني –فيما يتعلق بالقراءة– نوعا من الإجبار، فنحن نقرأ إما للترقي المهني، أو الثقافي، أو التعليمي، ولا نقرأ لمجرد القراءة.
وختم الأستاذ عبد الله حديثه بقوله بأن العلاج بالقراءة قابل للتطبيق في المجتمع المصري بشرط تفهم الحالات التي يتم علاجها.
"وصفة طبية" خاصة للعرب
تجاوز العلاج بالقراءة في الولايات المتحدة وأنحاء متفرقة من العالم، قيوده السابقة، ومع استخدامه من جانب أمناء المكتبات كأداة علاجية أصبح أمرا معترفا به حتى من جانب علماء النفس ومؤسسات العلاج الأخرى، ولكن للأسف فإن الأمر ليس كذلك في عالمنا العربي، بل إن بعض أمناء المكتبات في عالمنا العربي لم يسمع بهذه الخدمة أو ربما كانت لديه فكرة غامضة غير محددة الملامح.
وحول أهمية أن يكون هناك علم عربي للعلاج بالقراءة يذكر د. شعبان خليفة أن المرض يرتبط بطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه المريض، وقيمه وعاداته، لذلك لا يصلح استخدام "روشتات" أمريكية وأوروبية للعرب والمسلمين.
لذلك يعكف د. شعبان خليفة حاليا على دراسة 350 ألف كتاب عربي حصيلة نشر قرنين من الزمان لإعداد حصر ببليوجرافي مشروح لكل مرض من الأمراض والأعمال الفكرية المقترحة لعلاج هذا المرض، فيما يدخل في باب "الروشتة" أو الوصفة الطبية.
ترى هل يأتي اليوم الذي نقرأ فيه على لافتة أحد الأطباء "إخصائي علاج بالقراءة"؟؟
هل يدرس منهج العلاج بالقراءة لطلبة المكتبات في جامعاتنا العربية في يوم من الأيام؟؟
هل نجد في مكتباتنا العامة أقساما لهذا الغرض قبل أن تتحول مكتباتنا إلى مقابر جماعية للكتب؟؟
لننتظر ونرى.. فهذا ما ستسفر عنه الأيام..

الاثنين، ديسمبر 22، 2008

الإنترنـت مـا هـو وكيـف نشــأ ؟؟؟؟

الإنترنـت مـا هـو وكيـف نشــأ....

في أوائل الستينات افترضت وزاره الدفاع الأمريكية وقوع كارثة نووية ووضعت التصورات لما قد ينتج عن تأثير تلك الكارثة على الفعاليات المختلفة للجيش، وخاصة فعاليات مجال الاتصالات الذي هو القاسم المشترك الأساسي الموجه والمحرك لكل الأعمال.
كلفت الوزارة مجموعه من الباحثين لدراسة مهمة إيجاد شبكه اتصالات تستطيع أن تستمر في الوجود حتى في حاله هجوم نووي، وللتأكد بأن الاتصالات الحربية يمكن استمرارها في حاله حدوث أي حرب.
وأتت الفكرة وكانت غاية في الجرأة والبساطة، وهو أن يتم تكوين شبكه اتصالات Network ليس لها مركز تحكم رئيسي، فإذا ما دمرت أحدها أو حتى دمرت مائه من أطرافها فان على هذا النظام أن يستمر في العمل. وفي الأساس فان هذه الشبكة المراد تصميمها كانت للاستعمالات الحربية فقط. في ذلك الوقت لم يكن أي نوع من الشبكات Networks قد بنيت على الإطلاق ولهذا فان الباحثين تركوا لخيالهم… وأسسوا شبكه أطلق عليها اسم شبكه وكالة مشروع الأبحاث المتقدمة Advanced Research Projects Agency Network (ARPANET) وذلك كمشروع خاص لوزارة الدفاع الأمريكية، وكانت هذه الشبكة بدائية وتتكون من أربعه كمبيوترات مرتبطة ببعضها بواسطة توصيلات التلفون في مراكز أبحاث تابعه لجامعات أمريكية. لقد جعلت الوزارة هذه الشبكة ميسره للجامعات ومراكز الأبحاث والمنظمات العلمية الأخرى ولأجراء الأبحاث من اجل دراسة إمكانيات تطويرها، ونتيجة لهذا الوضع فان ARPANET قد نمت بشكل ملحوظ، والشبكة التي كانت بسيطة تحولت إلى نظام اتصالات فعال.
السنوات التي تلت جاءت معها بتغييرات كثيرة، وفي ذلك الوقت فان الوصول للشبكة كان قاصرا على الجيش والجامعات والباحثين، ونتيجة لهذا الوضع فلقد أصبحت ARPANET عبارة عن شبكه تتكون من شبكات ذات مفاتيح وأطراف متعددة، وترسل المعلومات فيها باستخدام تقنية تفتيتها إلى مجموعات Packets اصغر، تتحرك بحريه واستقلالية من طرف إلى أخر لتصل إلى مبتغيها.
كان هذا المشروع غير معروف حتى سنه 1980 حين تم إظهاره للضوء، ومنذ ذلك الحين فان التغييرات أصبحت تحدث بسرعة كبيره واستمر هذا النظام في الاتساع.
ما بين سنه 1982و1985 كانت ولادة الانترنيت فلقد انقسمت ARPANET سنه 1983 إلى قسمين ARPANET و MILNET واستخدمت الأولى في جهود الأبحاث المدنية أما MILNET فاحتفظ بها للاستخدامات العسكرية.
منذ سنه 1980 فان شبكات جديده عديدة تكونت لخدمه بعض الفئات والمنظمات …إحدى هذه الشبكات كانت للمجتمعات الأكاديمية، وأخرى لمنظمات أبحاث الكمبيوتر حيث وصلت الباحثين بعضهم ببعض ليتشاركوا في المعلومات.
في سنه 1986 فان مؤسسه العلوم الوطنية National Science Foundation شبكت الباحثين بعضهم ببعض في كافه أنحاء الولايات المتحدة من خلال خمسه كمبيوترات عملاقة، وسميت هذه الشبكة باسم NSFNET. لقد تكونت هذه الشبكة من مراكز لخطوط الإرسال المتكونة من الألياف الضوئية ومن الأسلاك العادية، وبمساعده الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والموجات الدقيقة Microwave وذلك كي تحمل كميات هائلة من المعلومات التي تتحرك سريعا جدا ولمسافات بعيده… إن هذه الشبكة NSFNET كونت العمود الفقري للبنية التحتية للانترنيت وخاصة بعد أن رفعت الحكومة الأمريكية يدها عنها.
بدأت تقديم خدمه الانترنيت للناس عمليا في سنه 1985 وكان عدد المشتركين يتزايد بشكل كبير واصبح الانترنيت الآن وكما هو جلي اكبر شبكه في تاريخ البشرية.
الانترنيت يعتبر حقيقة أحد الظواهر… ولربما يعتبر انه اكثر التطورات التي حدثت في وسائل الاتصالات البشرية بعد اختراع التلفون.
لا تحاول البحث عن المركز الرئيسي للانترنيت في أي مدينه بل وفي أي مكان في العالم لسبب بسيط هو أن الانترنيت ليس له إدارة أو مركز رئيسي على الإطلاق. ويبدو أن ذلك غير مقنع لكثير من الناس ولكن الحقيقة أنه لا توجد إدارة مركزية للإنترنت وبدلا من ذلك فإنه يدار من تشكيلة من آلاف شبكات الكمبيوتر التابعة للشركات والأفراد كل منهم يقوم بتشغيل جزء منه كما يدفع تكاليف ذلك. وكل شبكة تتعاون مع الأخرى لتوجيه حركة مرور المعلومات حتى تصل لكل منهم وبمجموع هؤلاء تتكون الشبكة العالمية ولهذا لا يملك أحد الانترنيت... هناك ملايين خلف هذه الشبكة يتشاركون في مكوناتها، وهؤلاء سواء كانوا أفرادا أو منظمات أو شركات غير مستقرين في الغالب، ودائما يقومون بالتغيير بل ويتبدلون أنفسهم ولكنهم دائما في نمو وتزايد دائم كل لحظه... وهناك مواقع تضاف دائما ومواقع تتغير عناوينها أو تندثر.
أن نظام الإنترنت أو ما يسمى بروتوكول الإنترنت Internet Protocol تعتبر ملكيته عامه ويحظى بدعم من كل الشركات الصانعة للأجهزة المستخدمة في الإنترنت، ونتج عن هذا الدعم نمو هائل لهذه الشركات، ويسير هذا النمو متوازيا مع السرعة الكبيرة في نمو الإنترنت.
إن من أهم صفات الإنترنت أنه نظام مفتوح، وهذا يعني أنه يقبل أي نوع من أجهزة الكمبيوتر سواء كان منها ما يسمى غير المتلائم Incompatible مثل كمبيوترات ابيل ماكينتوش Apple Macintosh أو الأميجا Amiga أو الأجهزة المتلائمة مع كمبيوتر أي بي إم Compatible IBM. وكذلك يمكن استخدام الكمبيوتر النقال Laptop بوصله بالتلفون النقال Mobile phone، وفي القريب سيكون استقبال الإنترنت عن طريق التلفزيون أيضا وذلك باستخدام جهاز محول خاص Decoder يمكن وضعه فوق التلفزيون أو أن بإدماج لوحة محول بيني إليكتروني مع إليكترونيات التلفزيون الداخلية.
أن افضل تعريف للانترنيت وابسطه هو أنه اكبر شبكه كمبيوتر في العالم، ففي سنه 1997 قدرت شبكه الانترنيت بأنها مكونه مما لا يقل عن ست عشر مليون مشترك، بينما قبلها بعام واحد فإن العدد لم يزيد عن خمسه ملايين، أما سنه 1998 فلقد تخطت أعداد الكمبيوتر المشتركة عدد الخمسين مليون. وساهمت السرعة الكبيرة في انخفاض أسعار أجهزه الكمبيوتر والعدد الكبير المتزايد من الذين يزودون خدمه الإنترنت في الارتفاع المتواصل والمستمر في أعداد المشتركين. إن كل ما يحتاجه المشترك هو أن يكون جهازه مزودا بقطعه المودم، وهي أداه إلكترونية تجعل الكمبيوتر قادرا على التعامل مع خط التلفون.
لقد ساهم في سرعة نمو الإنترنت قدرته على أن يصل شبكات مختلفة التكوين والمصادر مما أعطى المستخدمين الحرية في اختيار الأجهزة وبدون قيود.
الانترنت من ناحية واقعية عبارة عن شبكه تتكون من آلاف الشبكات الصغيرة المنتشرة في أنحاء العالم ولكن ماذا يفعل الناس في حقيقة الأمر على الانترنيت؟
الجواب انهم يتبادلون الرسائل من خلال هذه الأجهزة الإلكترونية فيما يسمى بالبريد الإلكتروني e-mail… لقد اصبح الإنترنت وبسرعة جهاز البريد الحقيقي للعالم كله… إن مستخدمي الإنترنت يستطيعون تبادل البريد إلكترونياً وبتكلفه وسرعة افضل بكثير من البريد التقليدي. كما انهم يتشاركون في مجموعات تتناقش فيما بينها وتعرف باسم مجموعات الأخبار كما يتبادلون الأحاديث ويطالعون المعلومات التي يرسلها البعض أو المؤسسات المختلفة وهي معلومات متنوعة تنوع البشر واهتماماتهم … يمكنك أن تقرأ الصحف والمجلات وتطالع المحاضرات وتتصفح خرائط وتعرف أخبار الطقس وتحصل على نصائح لرحلتك أو أخبار الرياضة أو تشتري بضاعة أو تستمع للموسيقي أو ترى فيلما أو أي شئ يخطر على بالك أو لا يخطر. إن الاتصالات والأعمال التجارية عبر الإنترنت ستكون اعظم الأحداث المميزة التي ستأخذنا للقرن القادم والألفية الثالثة.
إن الإنترنت ينظر إليه الآن بأنه وسيله التفاهم العامة التي تعطيك ما تريد مشاهدته أو قراءته بدون أن يفرض عليك كما في الوسائل الأخرى. إن المعلومات المذكورة تلك وغيرها تأتي من كل مكان … وليس الأمر في الإنترنت قاصراً على تلقي الفرد هذه المعلومات بل بإمكانه أن يرسل المعلومات التي يريدها كي يطلع عليها من يرغب في جميع أنحاء المعمورة، فهو وسيله اتصال بين جهتين، وبالتالي فإن كل مستخدم للإنترنت يمكن أن يكون مصدرا للمعلومات كما يمكن أن يكون مستقبلاً لها أيضا.
الإنترنت يعتبر اكبر مكتبه معلومات في العالم على الإطلاق … هذا وبينما كان الإنترنت في بداية الأمر حصرا على الجامعات ومراكز الأبحاث والوكالات الحكومية فإن الإنترنت قد تحرك خارجا للجماهير في كل مكان، وساعد في ذلك انتشار شبكات الاشتراك المجانية بالإنترنت وخدمات المعلومات على الخط والتي أصبحت ميسرة للأفراد.
إن المعلومات الهائلة والمتنوعة التي نشأت عن العمليات التقنية التي ربطت آلاف الشبكات ببعضها كونت فضاءاً يظهر على شاشات الكمبيوتر وكأنه عالما حقيقيا يشابه عالمنا الواقعي الذي نعيش به وهذا العالم يسمى Cyberspace "سايبر سبيس" وهو ذو أبعاد مدهشة وغير عاديه، انه مصدر عالمي ذو قيمه هائلة من المعلومات المتآلفة.

الثلاثاء، ديسمبر 09، 2008

الحديث بحروف بارزة وفراشة فليفل

فراشة الطين
مجموعة قصصية .. عبد العاطي فليفل
من اصدارات ندوة الاثنين بالاسكندرية
صدرت المجموعة القصصية الجديدة فراشة الطين للأديب السكندري عبد العاطي فليفل ، وقد قسمها الكاتب الي الاقسام التالية :
الاول :عندما تنبت الارض خيالا وتشمل
حواديت نسج المصاطب
تل البندارية
فراشة الطين
اطفال القمر
لا تكشفي عن وجهك الآخر
عصافير من حجارة
والثاني: ولادة من رحم الأرض
البوابة .. وقبلت الثوب الأسود
ثلاثة غابت عنهم الشمس
واحترقت اوراق العمر
الف باء ..حان الصفا
الطرف الأخير
وجوه علي حائط كهف
قليلا ما يغضب البحر
ثالثا: ليس للشر نبات
المطرقة والأعين الزجاجية
واما الجدار .. صرخة لا تكفي
في قلبها نار .. رقص البنفسج
رابعا :قبل أن ينكسر الظل
صديقي ميدو
الفراشة والزهر المقطوع
دلال ام العيال ..نداء
غرباء وتسامي العطر الحزين
الحديث بحروف بارزة
وفراشة فليفل
ابداعات قصصية جديدة ومدهشة تنطلق مع فراشة فليفل ..وتبدأ درجات من الدهشة والحيرة مع العنوان الرئيس وحروف تبرزالعديد من الاسئلة لتختلف دلالات الفراشة والوانها وسموها ، والطين وعالمه. تتوالي الأسئلة وتزداد بروزا مع جدارية تتصدر نسقا من النصوص لتزداد درجة الدهشة والأرض تنبت خيالا مع مجالس الحواديت والموروث الشعبي ..وقد يختبئ المكان لتبرز حكايات اهل المقابر، وتبدوتجليات انسانية وعادات وتقاليد راسخة والتفاؤل والتشاؤم ونداهة القرية والحيرة تصاحبك ،ولا يكفي الخيال فتلتقط ريشته نبضات من الواقع ومنمنمات الذكريات حيث يبدو تأثير الذات وظلم الانسان لأخيه والواقع المتجـدد يرصدها الكاتب في ظل جداره المنبوش كالحلم ، ثم يتوقف لينتقل فالحلم بوالده الشهيد لاينتهي ..
وكأن العوالم الأخري تولد من رحم الأرض مع الجدارية التالية لتحترق اوراق العمر وتزداد النظرة المأساوية للكاتب رسوخا وقد غابت الشمس عن البعض ،وهام مع بواباته حتي تقوس ظهره تحت سياط المشيب ، وتتجلي الابداعات مع الف باء شخصيات تبرز بصورة مختلفة ..
فالبكاء قيثارة والضحكات عبير وحياة ،وتتسع الدهشة مع احلام الغيب وذكريات وغرائب ترصد ابعادا جديدة لما يسمي عالم ما بعد الحداثة ..
ومع اتساع عوالم عبد العاطي تتوقف امام الجدارية وتنتقي التشكيل الجمالي الذي غلف به حكاياته ..فتعيش مع حكايات نسج المصاطب صورا معروضة تعلن أن الكتابة ومضة كاشفة ، واشارة توضيح أو مكابدة تشعر بعدها بهدوء النفس فلسنا غرباء وليس للشر نبات ، ومع متعة لغة القص الشاعرية تشعر بالنار في قلبها وتشم رائحة البنفسج الراقص ، وبجانب تلقائية ذكية تستوعب في رموزها المنسابة في فضاء السرد القصصي مشاعر خاصة تتسامي مع العطر الحزين ، وقبل ان ينكسر الظل يرفع اطفال الحجارة شعار الغضب قنابل الموت ، وعندها فان صرخة واحدة لا تكفي ،والتي تحملها الفراشة التي انطلقت من رحم الأرض تستوعب صفة الفنون فوق الجدار وترسم بالمطرقة والاعين الزجاجية الوجوه التي علي حائط الكهف ،وتنفعل المشاعر وتحلم بالخلاص مع البحر الذي لا يغضب الا قليلا ..
من بين السطور تسمع نداء جمل موسيقية ،وتظل تعزف مع حرفيتها التي تقودك الي مناخ الحكواتي والراوي في الميثولوجيا الشعبية ..
في مجموعته القصصية فراشة الطين متعـددة الألوان مع رحابة الموضوعات وغرابة الأحداث ، يقدم لنا فليفل حكاياته بعذوبة لغة ، ويصورها بأسلوب حكاء ماهر ، يعرف كيف يجذب قراءه ، وتشكيلات فنان يقدم ملامح وجودية في عالم صغير ، إذا تحرك عندها نغوص في فنتازيا عبثية أحيانا ودراما انسانية علي الأرجح .
أسوق هذه المقدمة للقول : اننا بصدد مجموعة من الاعمال الادبية للشاعر القاص والفنان التشكيلي والواعظ عبد العاطي فليفل ، والتي تظل بحاجة الى المناقشة والدرس واستكناه معطياتها الجمالية والفكرية بالعمق الذي تستحقه فيما هو أبعد من هذه الرؤية الخاصـة
ونستطيع القول انه من سمات قصص هذه المجموعة :
الابتعاد عن الحكاية بنيةً والاقتراب منها موضوعاً.
أنظر (احتواهم الغضب ..تهامسوا .. قرروا..أما هو )
وهكذا تبدأ الحكاية ..في قصة واحترقت اوراق العمر ..
ونرصد عصرنة الموضوع وتحديثه بالربط بين ماضي الحكايات ووقائع الحاضر ، وتختفي فيها المباشرة خلف حلول فنية مبتكرة لا يمكن اغفالها بغرض التنويع والاختزال :
علي الحائط المقابل لفراشي صورة بحجم سنوات عمري .. قالت أمي أنه أبي الشهيد .. وتعيش مع الحكاية وعصافير من حجارة
هو أيضا موهبة جادة تندفع نحو دائرة الضوء بثقافة حية .. انه لا يستمد الاسطورة والخرافة فيضمنها قصصه دون توظيف ..؟
الشاعر القاص يوظفها جميعاً في قراءة موضوعية معاصرة بمعالجات جديدة . فمن توظيف الاسطورة أو الموروث الشعبي نجد وظائف من نمط كسر أو تجاوز الأطر البلاغية التقليدية ، وتعميق التضمينات والرموز التي لا تقصد لذاتها ، بل لأحياء دلالة أو معالجتها .
في القصـة الأولي : نحن اطفال السمر نفترش من الأرض ثراها .. نقطع من حرم منصة المصطبة نصف دائرة متعرجة في انتظار قدوم مجلس شيوخ العائلة .. لننسج في عيون الليل احلامنا مع رقصات دخان الشيشة تزوغ الأعين منا صوب الأفواه .. وتسعفه لغة حاملة للأفكار والمعاني فتقرأ .. التقط جدي الكلام من فوق لسان أبي ..
ونعود للدهشة ونعيش مع الابداع ونشحذ الذهن والواقع والخيال يتبادلان التأويل والدلالات ورؤية خاصة لأديب شاعر يقتحم دنيا القص ممتطيا عالمه الثري وموثرا طرح قضايا متجنبا لحظة الصدام ومجدفا بلغة شاعرة يتسع معناها في الخطاب القصصي وصور تشكيلية جميلة تحمل رسالة .. فما اجمل الاستمتاع بخيال عينين متقدتين وحديث لتشكيلات جمالية بحروف بارزة ..
الشربيني المهندس

الجمعة، نوفمبر 28، 2008

الكتابة والنشر للطفل في العالم العربي

عبير صلاح الدين - القاهرة
هناك العديد من المراكز والمؤسسات الرسمية التي تقدم خدمات متميزة لأطفال الوطن العربي، سواء على مستوى الإصدارات المتنوعة أو على مستوى السعي وراء مضمون هادف للكتب والدوريات الخاصة بالأطفال، وتشجيع البحث والإنتاج في هذا المضمار. وتكمن مشكلة هذه الجهود والإصدارات في غياب القدرة التسويقية للخدمات المقدمة، رغم تميُّزها وفعاليتها في رفع مستوى ثقافة الطفل العربي، مما يجعل إصداراتها من الكتب والدوريات وأنشطتها من الندوات والمؤتمرات والمسابقات مغمورة على مستوى المخاطب الرئيسي، ألا وهو الطفل العربي، وغير معروفة للآباء الباحثين عن كتاب جيد للطفل. وتحاول حواء وآدم فتح ملف لهذه المراكز المتميزة على مستوى الوطن العربي، مستهلة ذلك بالأنشطة في مصر، ويتبعها تغطية لتلك الأنشطة في دول عربية شتى.الاهتمام بثقافة الطفل في مصر هناك عدد كبير من الجهات الرسمية في مصر تهتم بثقافة الطفل. وقد تجسد هذا الاهتمام في قانون الطفل المصري الذي صدر في مارس 1996 وتضمن الفصل السادس منه سبع مواد تخص ثقافة الطفل من أبرزها المادة (87) التي تنص على "تكفُّل الدولة بإشباع حاجات الطفل الثقافية في شتى مجالاتها من أدب وفنون ومعرفة، وربطها بقيم المجتمع في إطار التراث الإنساني والتقدم العلمي الحديث". وحددت الخطة الخمسية الثالثة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية فيما يتعلق بثقافة الطفل عددًا من الأهداف العامة وهي:
1. تنمية القدرة على الإبداع والابتكار وتقديم الناحية الجمالية والوجدانية في السلوك والشعور والتذوق الفني بأبعاده المختلفة
.2. تنمية الشعور بالانتماء إلى المجتمع والوطن
.3. تنمية القدرة على العمل والتعاون كفريق
.4. الاهتمام بالتنشئة العقلانية للطفل وغرس التفكير العلمي المنظم.
5. منح نصيب عادل من الاهتمام لطفل الريف.6. تغيير مفاهيم المجتمع السلبية عن المرأة والطفل.

الخميس، نوفمبر 06، 2008

«البيبليوثيرابي» أو التداوي بالقراءة







علاج الأمراض النفسية وبعض الفسيولوجية أيضاً، ممكن بالقراءة، لا بل ثمة اطباء يوصون بأن القراءة ركن مهم من أركان العلاجات النفسية بدءاً من حالات القلق والتوتر وصولاً إلى الفصام. ويؤكد هؤلاء أن القدماء لم يهملوا هذا النوع من العلاجات الناجعة، لكن الجهل والأمية المستشريين في المنطقة العربية، حالا دون تطوير هذه العلاجات، فيما تابع الأوروبيون والأميركيون محاولاتهم، ووصلوا إلى نتائج مهمة. لكن العرب ليسوا خارج الخريطة، ففي مصر العلاج بالقراءة موجود، والأطباء وأمناء المكتبات، يعملون جنباً إلى جنب من أجل إخراج المرضى من معاناتهم عبر التداوي بالكتب، فماذا يحصل في مصر؟ وما هي آخر النتائج التي تم التوصل إليها؟
للقراءة فوائد عديدة أهمها بالطبع اكتساب المعارف والتعلم، وللقراءة أيضا فائدة أكيدة للتسلية وتقطيع الوقت وتحسين السلوك السلبي ولكن ما لا يعرفه البعض أن للقراءة فائدة أخرى ألا وهي علاج بعض الأمراض النفسية. لذلك لا تستغرب إن كتب لك الطبيب في وصفته الطبية عنوان كتاب، دون أي دواء آخر، تصرفه من المكتبة، ولا تقترب قط من الصيدلية، فكلمة السر في العلاج بالقراءة هي «البيبليوثيرابي».
وتتكون كلمة «البيبليوثيرابي» من مقطعين، الأول يشير إلى المكتبة والثاني يعني العلاج، والمعنى أن «البيبليوثيرابي» هو العلاج الذي يتم في المكتبة وليس في المستشفى أو في العيادة.
ولهذا فإن اختصاصيي المكتبات، يعرفون هذا النوع من العلاج أكثر من الأطباء، خاصة الأطباء النفسيين. أستاذ المكتبات في جامعة القاهرة شعبان خليفة كان من أوائل من انتبهوا إلى هذا العلاج فوضعه عنواناً لكتاب مرجعي ضخم عكف على جمع مادته طيلة عشرين عاماً، ليكون بذلك أول مرجع باللغة العربية في هذا المجال.
ويشير شعبان خليفة إلى أن بعض التعريفات قد تجنبت ربط البيبليوثيرابي ربطاً مباشراً بالطب، واعتبرته عاملاً مساعداً في الطب البدني والنفسي، لا علاجاً في حد ذاته، بينما يرى البعض الآخر أن «البيبليوثيرابي» علاج في حد ذاته، يقف على حد سواء مع الطب البدني والنفسي، من منطلق أن من يمرض بكلمة يشفى بكلمة.
وكما يقول الباحث النفسي الإيطالي، فرديناندو بيلليجريني فإن الكتاب المختار بعناية يؤدي إلى حالة من السكينة، ورواية لغارسيا ماركيز تعالج المكتئبين، وكتاب للإيطالي كاميليري يعالج القلق، ورواية لديستوفسكي يمكن أن تعالج الشراهة في الطعام والشراب. وعلى رأس قائمة الكتب ذات القيمة العالمية كتاب «الأمير الصغير» للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت اكزوبيري الذي ما يزال منذ عام 1943 يواصل مستواه الثابت في المبيعات، ويكاد يكون مقرراً على جميع الطلاب في أميركا وأوروبا، وهو يساعد الإنسان على كشف الطفل الذي بداخل كل منا، ويساعدنا على أن نكون بسطاء وخلاقين.
ويؤصل الدكتور شوقي العقباوي، أستاذ الطب النفسي هذا الاتجاه بإرجاعه إلى نوع من العلاج النفسي المعروف باسم العلاج المعرفي، ويشرح ذلك قائلا: إن بعض الاضطرابات النفسية تعود إلى خلل في الخريطة المعرفية، تنشأ عنها معتقدات خاصة خاطئة، تصيب بالقلق والوساوس. وهنا تهدف القراءة إلى تغيير البنية المعرفية وتغيير نمط الأفكار التلقائية، وتكون القراءة جزءاً من العلاج النفسي على شكل واجبات منزلية تستهدف تغيير التفكير السلبي إلى التفكير الإيجابي.
يضيف العقباوي «أن المريض سلبي الأفكار يرى أنه ما دام لا يعرف فهو مهزوم، ومن ثم يؤدي ذلك إلى الاستسلام، ولكن بالقراءة يتغير موقفه ويصبح أكثر قدرة على المقاومة». ناهيك عن أن القراءة تسهم في تنظيف العقل من الأفكار السلبية. ويشير إلى أنه من المعروف أن القراءة الجيدة تسهم في تغيير الحالة النفسية، ومثلها القراءة في الكتاب المقدس تؤدي إلى السكينة، وقراءة الشعر تحسن الحالة المزاجية».
* المرض والعلاج
* من أوائل من مارسوا العلاج بالقراءة في العالم العربي الدكتور محمد شعلان، أستاذ الطب النفسي في «جامعة الأزهر»، وهو يقول إن «الكتاب الذي يوصف للمريض ينبغي أن يكون في حدود ثقافته. والطريقة التي اتبعها كانت في إطار العلاج الجماعي، فيعطى المريض كتاباً أو جزءاً من كتاب، يقرأه ويلخصه ثم يعرض تلخيصه على الجماعة. ومن شأن هذه الطريقة أن تقوي التركيز، وتعالج أيضا الاكتئاب والفصام».
ويؤكد شعلان أن القراءة وحدها لا تكفي، وإنما يكون استخدامها ضمن خطة علاج متكاملة. ورغم أن القليل من الأطباء يستخدمون هذه الطريقة حاليا إلا أنه يرى أن لها حاضراً وسوف يكون لها مستقبل، وأن عدم الإقبال عليها حالياً، يرجع إلى أن عادة القراءة ليست منتشرة، وأن الجهل والأمية يمنعان من انتشار مثل هذا النوع من العلاج الذي ازدهر في انجلترا مثلا نظرا لارتفاع معدل القراءة فيها.
ولا يوصي شعلان بكتاب معين لقراءته، لأن الشرط الأساسي في الكتاب هو أن يكون في حدود المستوى الثقافي للمتلقي، وإلا لن يكون لاستخدامه جدوى، مع كامل الاحترام لديستوفسكي وماركيز.
* أمراض تخففها القراءة
* ويلتقط الخيط الدكتور محمد غانم، أستاذ علم النفس بـ«جامعة حلوان»، ويقول إن استخدام القراءة في العلاج له ضوابط منها أن يكون للقراءة أثر مؤكد على الحالة، وأن يكون الشخص قارئاً، وأن يتمتع بنسبة ذكاء معينة.
ويؤكد غانم أنه مارس العلاج بالقراءة في مصحة لعلاج الإدمان، وكان يتم بشكل فردي وبشكل جمعي أيضاً، وكان يعطي المرضى كتيبات مبسطة حول طبيعة الإدمان وطرق الشفاء منه. فالقراءة في هذه الحالة تزيد الوعي بالحالة المرضية وتساعد على سرعة الشفاء. كذلك تحتل القراءة أهمية كبيرة للوقاية من الانتكاسة بعد الشفاء من الإدمان.
كما يمكن استخدام القراءة أيضاً في تشخيص ما يعاني منه المريض، فقد أعطي لعدة مرضى نفس الكتاب، فقرأه كل منهم بطريقة مختلفة عن الآخر، بل إنهم أهملوا المحتوى الجوهري للكتاب وركز كل منهم على ما يهمه أو يثيره أو لا يعجبه، واعتماداً على هذا يمكن التعرف على المشاكل النفسية التي يعاني منها القارئ وبداية علاجه على هذا الأساس. كذلك يعطي أصحاب الأمراض المزمنة مثل السكري، أو الأمراض التي لا يرجى لها براء مثل السرطان كتيبات مبسطة تساعدهم على التعايش السلمي والودي مع المرض، على خلفية أن المرض المزمن إذا احترمته احترمك، وكان لك صديقاً.
كما يمكن استخدام العلاج بالقراءة أيضاً في أمراض نفسية مثل الاكتئاب والشره وفقد الشهية عند العصبيين، ولكن المهم اختيار المستوى المتوقعة معرفته من خلال القراءة، واختيار المريض الممكن التعامل معه بالقراءة، سواء كان متقدماً في المرض أو شاباً.
ومن وجهة نظر الدكتور شعبان خليفة تفيد القراءة في علاج أمراض مثل المخاوف (الخوف من الظلام، والأماكن المرتفعة، الأماكن المغلقة....) كذلك في علاج القلق، والمشاكل الجنسية، ومشاكل أخرى مثل (العنصرية، والعرقية، والنرجسية...). كما استخدمت القراءة في علاج مجموعة أخرى من المشاكل المعقدة مثل (الافتقار إلى العلاقات، والدافعية، والتوتر، ضبط الوزن) كذلك بعض المشاكل الاجتماعية كالطلاق، والشيخوخة، فقدان الأهل...
* «روشتة» العلاج
* ذاع في وقت من الأوقات وصف كتاب «دع القلق وابدأ الحياة» الذي أثبت نتائج إيجابية جداً في علاج القلق النفسي، ولكن اليوم اتسعت لائحة الكتب المعالجة وأصبح ضروريا تصنيفها وترجمة الضروري منها للغة العربية، أو تأليف كتب عربية تؤدي نفس الغرض.
روشتة العلاج بالقراءة يمكن أن تتضمن كتاباً واحداً، أو عدداً من الكتب يقضي معها المريض وقتاً محدداً من اليوم، ويمكن أن تفيد القراءة في التعرف على المشكلات الحياتية التي يواجهها الآخرون، للتعلم منها، واكتساب الخبرات الجديدة ومهارات الوصول للحلول المناسبة، وإدراك أن هناك بدائل، وأكثر من حل واحد لمعظم المشكلات والتوعية بحالات مشابهة تعاني من الظروف والمشكلات نفسها التي عانى منها القارئ.
المبدأ الذي يقوم عليه العلاج بالقراءة هو نفسه المبدأ العلمي الذي استخدمه العلماء أخيراً لوضع طرق جديدة للعلاج النفسي، باستخدام وسائل أخرى غير «الشيزلونغ» أو كرسي الاسترخاء التقليدي وجلسات التحليل النفسي، فضلا عن الأدوية الكيمياوية التي انتشرت أخيراً. وهذا المبدأ هو «التكامل الإنساني» أو «الإنسان المتكامل» الذي تتكامل لديه الاحتياجات كلها، من جسمانية وعقلية ونفسية، ولذا لا يمكن فصل جانب عن آخر.
وشجع هذا المبدأ على ظهور علاجات نفسية مثل العلاج بالشعر وبالموسيقى والفن التشكيلي. ويبرز من بين هذه العلاجات العلاج بالقراءة الذي يحتل مرتبة عالية. وأصبح هذا النوع من العلاج موضوعاً لدراسات أكاديمية، منها رسالة قدمها طالب دراسات عليا في مصر تحت إشراف الدكتور يحيى الرخاوي واستهدفت علاج الفصام بالقراءة، ووصل فيها الباحث إلى أن جرعة القراءة تلعب دورا مهما في الوصول إلى النتائج المرجوة من هذا العلاج. ويعني هذا أن العلاج بالقراءة لا ينبغي أن يترك لمزاج المريض وقدرته على القراءة، وإنما ينبغي الترتيب له بالاتفاق مع الطبيب المعالج.
* تاريخ وتعريف
* وللعلاج بالقراءة أكثر من تعريف، ولكن الأكثر شيوعا هو ما قالته مارغريت مونرو في خطاب لها في إحدى الحلقات المنعقدة في مدرسة المكتبات بـ«جامعة ويسكونسن» عام 1968 عندما سألت عن تعريف سليم ودقيق للبيبليوثيرابي ولم يجبها أحد؛ وهو ما دعاها إلى القول بأن جوهر استخدام الكتب في مساعدة القراء على حل مشاكلهم هو أهم بكثير من المصطلح نفسه.
وللعلاج بالقراءة تاريخ طويل، فقد سجلت المصادر أن المصريين القدماء هم أول من أدركوا القوة العلاجية للكتاب سواء بالسلب أو الإيجاب. فنحن نعلم أن المكتبات المصرية القديمة كمكتبات المعابد في الكرنك وإدفو ودندرة كان يكتب على جدرانها «هنا علاج الروح»، «هنا بيت علاج النفس»، كما انتقلت تلك المفاهيم إلى المكتبات البابلية والآشورية، ثم المكتبات اليونانية والرومانية. كما عرف العرب طوال تاريخهم بالبيان، والشعر هو إحدى المواد الأدبية المستخدمة في العلاج بالقراءة بكثافة على المستويات العالمية. والمتتبع للتراث العربي والإسلامي يلمس بوضوح أن هذا الأسلوب العلاجي قد استخدم كثيراً وما زال. وقد وردت في كتب التراث قصص عديدة عن التداوي بالقرآن الكريم، ويكاد لا يخلو كتاب تراثي من رواية هنا وهناك تفصح عن التداوي بالشعر والقصة. وفي هذا السياق أجريت تجارب للعلاج بالقرآن الكريم في موسكو عام 1963 على خمسة وعشرين من المتطوعين المصابين بالصداع النصفي من غير المسلمين، حيث استخدمت المعوذات (قل هو الله احد) على شرائط تسجيل ووجد أنه في 97% من تلك الجلسات كان لتلاوة القرآن الكريم أثرها في تهدئة الجهاز العصبي لديهم وتخفيف الصداع، ووجود تغيرات فسيولوجية لديهم تدل على تخفيف حدة التوتر رغم أنهم من غير الناطقين بالعربية.
يعود تاريخ تقديم خدمات العلاج بالقراءة والكتاب في المستشفيات الغربية على نطاق واسع إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ثم الولايات المتحدة الأميركية. وقد اشتهر بنيامين روش بأنه أول من أوصى بالقراءة في علاج المرضى، وكان ذلك عام 1802. ويعتبر عمل الأمينة الفذة إ. كاتلين جونز في سنة 1904 كأول أمينة مكتبة تقوم ببرامج ناجحة للعلاج بالقراءة في مكتبات مستشفى ماكلين في ويفرلي في ماساشوستس حلقة مهمة في تاريخ العلاج بالقراءة، وكاتلين جونز هي أول أمينة مكتبة مؤهلة ومدربة تقوم باستخدام الكتب في علاج المرضى عقلياً. وعلى الرغم من ذلك تأخر استخدام أساليب العلاج بالقراءة مع الأطفال والناشئة الى منتصف الأربعينات من القرن الماضي.
قليلون في العالم العربي من المختصين بعلم النفس الذين يعرفون العلاج بالقراءة، ناهيك عن ممارستها في عياداتهم العامة والخاصة، على الرغم من التطور في مجال العلاج بالقراءة على المستويات العالمية.
وحتى يصبح ذلك ممكنا فإنه ينبغي الاهتمام بالدراسات التي تعتني بهذا المجال، كما ينبغي إرشاد أمناء المكتبات إلى كيفية استخدام هذا النوع من العلاج، وتصنيف الكتب التي يمكن استخدامها في العلاج النفسي، ووضع قوائم بيبليوغرافية بها. كذلك ارشاد معلمي المدارس الذين سوف يتقنون التحكم في فصولهم إذا تعلموا كيف يعالجون مشاكل تلاميذهم من دون أن يحسوا عن طريق القراءة.

الخميس، أكتوبر 16، 2008

الــــعرب لا يقــــــــــــــــــــــــــــــرأون


د. عائض القرني

إذا ركبت مع أوربي وجدته خانساً منغمساً يقرأ في كتاب، وإذا ركبت مع عربي وجدته يبصبص كالذئب العاوي، أو كالعاشق الهاوي، يتعرف على الركاب، ويسولف مع الأصحاب والأحباب.

بيننا وبين الكتاب عقدة نفسية، ونحن أمة (اقرأ)، ولكن ثقلت علينا المعرفة، وخف علينا القيل والقال، ولو سألت أكثر الشباب: ماذا قرأت اليوم ؟ وكم صفحة طالعت ؟ لوجدت الجواب: صفر مكعَّب، مع العلم أن غالب الشباب بطين سمين ثخين بدين، لأنه مجتهد في تناول الهنمبرقر والبيتزا، وكل ما وقعت عليه العين ووصل إلى اليدين:

* سل الصحون التباسي عن معالينا ـ واستشهد البَيْضَ هل خاب الرجا فينا

* كم (كبسة) شـهدت أنا جحافلهـا ـ وكـم خـروفٍ نـهشناه بـأيدينا.


يحتاج شبابنا إلى دورات تدريبية على القراءة، لأنهم وزّعوا الأوقات على السمر مع الشاشات، أو التّحلق على الكبسات، أو متابعة آخر الموضوعات.

الإنسان بلا قراءة قزم صغير، والأمة بلا كتاب قطيع هائم، طالعت سِيَر العظماء العباقرة فإذا الصفة اللازمة للجميع مصاحبتهم للحرف، وهيامهم بالمعرفة وعشقهم للعلم، حتى مات الجاحظ تحت كتبه، وتوفي مسلم صاحب الصحيح وهو يطالع كتاباً، وكان أبو الوفاء ابن عقيل يقرأ وهو يمشي، وقال ابن الجوزي: قرأت في شبابي عشرين ألف مجلده.

وقال المتنبي: وخير جليس في الزمان كتاب، سألت شباباً عن مؤلفي كتب مشهورة فجاءت الإجابات مضحكة، قال صاحب كتاب فن الخطابة: العظمة هي قراءة الكتب بفهم، وقال الروائي الروسي الشهير تيولوستي: قراءة الكتب تداوي جراحات الزمن، وقال الطنطاوي: أنا من ستين سنة أقرأ كل يوم خمسين صفحة ألزمت نفسي بها:

· جمالَ ذي الدارِ كانوا في الحياةِ وهمْ ـ بعدَ المماتِ جمالُ الكتبِ والسيَرِ.

صح النوم يا شباب فقد انقضى العمر، وتصرّمت الساعات، وقتل الزمان بالهذيان وأماني الشيطان وأخبار فلان وعلاّن، استيقظوا يا أصحاب الهمم الهوامد، والعزائم الخوامد، والذهن الجامد، والضمير الراقد:

· وَلَو نار نفخت بِها أَضاءَت ـ وَلَكن أَنتَ تَنفخ في رَمادِ.

قاتل الله التسويف والإرجاف، وسحقاً لمن زرع شجرة «ليت» لتثمر له «سوف»، وتخرج له «لعلَّ» ليذوق الندامة:

· وَمُشَتَّتِ العَزَماتِ يُنفِقُ عُمرَهُ ـ حَيرانَ لا ظَفَرٌ وَلا إِخفاقُ.

حيّا الله الهمم الشماء، والعزيمة القعساء، التي جعلت أحمد بن حنبل يطوف الدنيا ليجمع أربعين ألف حديث في المسند، وابن حجر يؤلّف فتح الباري ثلاثين مجلداً، وابن عقيل الحنبلي يؤلف كتاب الفنون سبعمائة مجلد، وابن خلدون يسجّل اسمه في عواصم الدنيا، وابن رشد يجمع المعارف الإنسانية:

· لولا لطائف صنع الله ما نبتتْ ـ تلك المكارم في لحمٍ ولا عصبِ.

وددتُ أنَّ لنا يوماً في الأسبوع يخصص للقراءة، ويا ليتنا نبدأ بمشروع القراءة الحرّة النافعة عشر صفحات كل يوم تُقرأ بفهم من كتاب مفيد لنحصد في الشهر كتاباً وفي السنة اثني عشر كتاباً، ولتكن قراءة منوّعة في ما ينفع لتتضح أمامنا أبواب المعرفة وتتسع آفاقنا، وتُنار عقولنا.

فيا أمة (اقرأ) هيا إلى قراءة راشدة، واطلاع نافع، وثقافة حيّة، ومعرفة ربانية، وسوف تنتهي بكم التجارب إلى أن الكتاب خير جليس، وشكراً للأمير بن صمادح حيث يقول:

* وزهدني في الناس معرفتي بهم ـ وطول اختباري صاحباً بعد صاحبِ

* فلم ترني الأيام خلاًّ تسرني ـ مباديه إلاّ ساءني في العواقبِ

* ولا قلت أرجوه لكشف ملمةٍ ـ من الدهر إلاّ كان إحدى المصائبِ!

* فليس معي إلاّ كتاب صحبته ـ يؤانسني في شرقها والمغاربِ.

...

الأحد، أكتوبر 12، 2008

«البيبليوثيرابي» أو التداوي بالقراءة




القاهرة: ماجدة حلمي وحسين محمود

علاج الأمراض النفسية وبعض الفسيولوجية أيضاً، ممكن بالقراءة، لا بل ثمة اطباء يوصون بأن القراءة ركن مهم من أركان العلاجات النفسية بدءاً من حالات القلق والتوتر وصولاً إلى الفصام. ويؤكد هؤلاء أن القدماء لم يهملوا هذا النوع من العلاجات الناجعة، لكن الجهل والأمية المستشريين في المنطقة العربية، حالا دون تطوير هذه العلاجات، فيما تابع الأوروبيون والأميركيون محاولاتهم، ووصلوا إلى نتائج مهمة. لكن العرب ليسوا خارج الخريطة، ففي مصر العلاج بالقراءة موجود، والأطباء وأمناء المكتبات، يعملون جنباً إلى جنب من أجل إخراج المرضى من معاناتهم عبر التداوي بالكتب، فماذا يحصل في مصر؟ وما هي آخر النتائج التي تم التوصل إليها؟

للقراءة فوائد عديدة أهمها بالطبع اكتساب المعارف والتعلم، وللقراءة أيضا فائدة أكيدة للتسلية وتقطيع الوقت وتحسين السلوك السلبي ولكن ما لا يعرفه البعض أن للقراءة فائدة أخرى ألا وهي علاج بعض الأمراض النفسية. لذلك لا تستغرب إن كتب لك الطبيب في وصفته الطبية عنوان كتاب، دون أي دواء آخر، تصرفه من المكتبة، ولا تقترب قط من الصيدلية، فكلمة السر في العلاج بالقراءة هي «البيبليوثيرابي».

وتتكون كلمة «البيبليوثيرابي» من مقطعين، الأول يشير إلى المكتبة والثاني يعني العلاج، والمعنى أن «البيبليوثيرابي» هو العلاج الذي يتم في المكتبة وليس في المستشفى أو في العيادة.

ولهذا فإن اختصاصيي المكتبات، يعرفون هذا النوع من العلاج أكثر من الأطباء، خاصة الأطباء النفسيين. أستاذ المكتبات في جامعة القاهرة شعبان خليفة كان من أوائل من انتبهوا إلى هذا العلاج فوضعه عنواناً لكتاب مرجعي ضخم عكف على جمع مادته طيلة عشرين عاماً، ليكون بذلك أول مرجع باللغة العربية في هذا المجال.

ويشير شعبان خليفة إلى أن بعض التعريفات قد تجنبت ربط البيبليوثيرابي ربطاً مباشراً بالطب، واعتبرته عاملاً مساعداً في الطب البدني والنفسي، لا علاجاً في حد ذاته، بينما يرى البعض الآخر أن «البيبليوثيرابي» علاج في حد ذاته، يقف على حد سواء مع الطب البدني والنفسي، من منطلق أن من يمرض بكلمة يشفى بكلمة.

وكما يقول الباحث النفسي الإيطالي، فرديناندو بيلليجريني فإن الكتاب المختار بعناية يؤدي إلى حالة من السكينة، ورواية لغارسيا ماركيز تعالج المكتئبين، وكتاب للإيطالي كاميليري يعالج القلق، ورواية لديستوفسكي يمكن أن تعالج الشراهة في الطعام والشراب. وعلى رأس قائمة الكتب ذات القيمة العالمية كتاب «الأمير الصغير» للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت اكزوبيري الذي ما يزال منذ عام 1943 يواصل مستواه الثابت في المبيعات، ويكاد يكون مقرراً على جميع الطلاب في أميركا وأوروبا، وهو يساعد الإنسان على كشف الطفل الذي بداخل كل منا، ويساعدنا على أن نكون بسطاء وخلاقين.

ويؤصل الدكتور شوقي العقباوي، أستاذ الطب النفسي هذا الاتجاه بإرجاعه إلى نوع من العلاج النفسي المعروف باسم العلاج المعرفي، ويشرح ذلك قائلا: إن بعض الاضطرابات النفسية تعود إلى خلل في الخريطة المعرفية، تنشأ عنها معتقدات خاصة خاطئة، تصيب بالقلق والوساوس. وهنا تهدف القراءة إلى تغيير البنية المعرفية وتغيير نمط الأفكار التلقائية، وتكون القراءة جزءاً من العلاج النفسي على شكل واجبات منزلية تستهدف تغيير التفكير السلبي إلى التفكير الإيجابي.

يضيف العقباوي «أن المريض سلبي الأفكار يرى أنه ما دام لا يعرف فهو مهزوم، ومن ثم يؤدي ذلك إلى الاستسلام، ولكن بالقراءة يتغير موقفه ويصبح أكثر قدرة على المقاومة». ناهيك عن أن القراءة تسهم في تنظيف العقل من الأفكار السلبية. ويشير إلى أنه من المعروف أن القراءة الجيدة تسهم في تغيير الحالة النفسية، ومثلها القراءة في الكتاب المقدس تؤدي إلى السكينة، وقراءة الشعر تحسن الحالة المزاجية».

* المرض والعلاج

* من أوائل من مارسوا العلاج بالقراءة في العالم العربي الدكتور محمد شعلان، أستاذ الطب النفسي في «جامعة الأزهر»، وهو يقول إن «الكتاب الذي يوصف للمريض ينبغي أن يكون في حدود ثقافته. والطريقة التي اتبعها كانت في إطار العلاج الجماعي، فيعطى المريض كتاباً أو جزءاً من كتاب، يقرأه ويلخصه ثم يعرض تلخيصه على الجماعة. ومن شأن هذه الطريقة أن تقوي التركيز، وتعالج أيضا الاكتئاب والفصام».

ويؤكد شعلان أن القراءة وحدها لا تكفي، وإنما يكون استخدامها ضمن خطة علاج متكاملة. ورغم أن القليل من الأطباء يستخدمون هذه الطريقة حاليا إلا أنه يرى أن لها حاضراً وسوف يكون لها مستقبل، وأن عدم الإقبال عليها حالياً، يرجع إلى أن عادة القراءة ليست منتشرة، وأن الجهل والأمية يمنعان من انتشار مثل هذا النوع من العلاج الذي ازدهر في انجلترا مثلا نظرا لارتفاع معدل القراءة فيها.

ولا يوصي شعلان بكتاب معين لقراءته، لأن الشرط الأساسي في الكتاب هو أن يكون في حدود المستوى الثقافي للمتلقي، وإلا لن يكون لاستخدامه جدوى، مع كامل الاحترام لديستوفسكي وماركيز.

* أمراض تخففها القراءة

* ويلتقط الخيط الدكتور محمد غانم، أستاذ علم النفس بـ«جامعة حلوان»، ويقول إن استخدام القراءة في العلاج له ضوابط منها أن يكون للقراءة أثر مؤكد على الحالة، وأن يكون الشخص قارئاً، وأن يتمتع بنسبة ذكاء معينة.

ويؤكد غانم أنه مارس العلاج بالقراءة في مصحة لعلاج الإدمان، وكان يتم بشكل فردي وبشكل جمعي أيضاً، وكان يعطي المرضى كتيبات مبسطة حول طبيعة الإدمان وطرق الشفاء منه. فالقراءة في هذه الحالة تزيد الوعي بالحالة المرضية وتساعد على سرعة الشفاء. كذلك تحتل القراءة أهمية كبيرة للوقاية من الانتكاسة بعد الشفاء من الإدمان.

كما يمكن استخدام القراءة أيضاً في تشخيص ما يعاني منه المريض، فقد أعطي لعدة مرضى نفس الكتاب، فقرأه كل منهم بطريقة مختلفة عن الآخر، بل إنهم أهملوا المحتوى الجوهري للكتاب وركز كل منهم على ما يهمه أو يثيره أو لا يعجبه، واعتماداً على هذا يمكن التعرف على المشاكل النفسية التي يعاني منها القارئ وبداية علاجه على هذا الأساس. كذلك يعطي أصحاب الأمراض المزمنة مثل السكري، أو الأمراض التي لا يرجى لها براء مثل السرطان كتيبات مبسطة تساعدهم على التعايش السلمي والودي مع المرض، على خلفية أن المرض المزمن إذا احترمته احترمك، وكان لك صديقاً.

كما يمكن استخدام العلاج بالقراءة أيضاً في أمراض نفسية مثل الاكتئاب والشره وفقد الشهية عند العصبيين، ولكن المهم اختيار المستوى المتوقعة معرفته من خلال القراءة، واختيار المريض الممكن التعامل معه بالقراءة، سواء كان متقدماً في المرض أو شاباً.

ومن وجهة نظر الدكتور شعبان خليفة تفيد القراءة في علاج أمراض مثل المخاوف (الخوف من الظلام، والأماكن المرتفعة، الأماكن المغلقة....) كذلك في علاج القلق، والمشاكل الجنسية، ومشاكل أخرى مثل (العنصرية، والعرقية، والنرجسية...). كما استخدمت القراءة في علاج مجموعة أخرى من المشاكل المعقدة مثل (الافتقار إلى العلاقات، والدافعية، والتوتر، ضبط الوزن) كذلك بعض المشاكل الاجتماعية كالطلاق، والشيخوخة، فقدان الأهل...

* «روشتة» العلاج

* ذاع في وقت من الأوقات وصف كتاب «دع القلق وابدأ الحياة» الذي أثبت نتائج إيجابية جداً في علاج القلق النفسي، ولكن اليوم اتسعت لائحة الكتب المعالجة وأصبح ضروريا تصنيفها وترجمة الضروري منها للغة العربية، أو تأليف كتب عربية تؤدي نفس الغرض.

روشتة العلاج بالقراءة يمكن أن تتضمن كتاباً واحداً، أو عدداً من الكتب يقضي معها المريض وقتاً محدداً من اليوم، ويمكن أن تفيد القراءة في التعرف على المشكلات الحياتية التي يواجهها الآخرون، للتعلم منها، واكتساب الخبرات الجديدة ومهارات الوصول للحلول المناسبة، وإدراك أن هناك بدائل، وأكثر من حل واحد لمعظم المشكلات والتوعية بحالات مشابهة تعاني من الظروف والمشكلات نفسها التي عانى منها القارئ.

المبدأ الذي يقوم عليه العلاج بالقراءة هو نفسه المبدأ العلمي الذي استخدمه العلماء أخيراً لوضع طرق جديدة للعلاج النفسي، باستخدام وسائل أخرى غير «الشيزلونغ» أو كرسي الاسترخاء التقليدي وجلسات التحليل النفسي، فضلا عن الأدوية الكيمياوية التي انتشرت أخيراً. وهذا المبدأ هو «التكامل الإنساني» أو «الإنسان المتكامل» الذي تتكامل لديه الاحتياجات كلها، من جسمانية وعقلية ونفسية، ولذا لا يمكن فصل جانب عن آخر.

وشجع هذا المبدأ على ظهور علاجات نفسية مثل العلاج بالشعر وبالموسيقى والفن التشكيلي. ويبرز من بين هذه العلاجات العلاج بالقراءة الذي يحتل مرتبة عالية. وأصبح هذا النوع من العلاج موضوعاً لدراسات أكاديمية، منها رسالة قدمها طالب دراسات عليا في مصر تحت إشراف الدكتور يحيى الرخاوي واستهدفت علاج الفصام بالقراءة، ووصل فيها الباحث إلى أن جرعة القراءة تلعب دورا مهما في الوصول إلى النتائج المرجوة من هذا العلاج. ويعني هذا أن العلاج بالقراءة لا ينبغي أن يترك لمزاج المريض وقدرته على القراءة، وإنما ينبغي الترتيب له بالاتفاق مع الطبيب المعالج.

* تاريخ وتعريف

* وللعلاج بالقراءة أكثر من تعريف، ولكن الأكثر شيوعا هو ما قالته مارغريت مونرو في خطاب لها في إحدى الحلقات المنعقدة في مدرسة المكتبات بـ«جامعة ويسكونسن» عام 1968 عندما سألت عن تعريف سليم ودقيق للبيبليوثيرابي ولم يجبها أحد؛ وهو ما دعاها إلى القول بأن جوهر استخدام الكتب في مساعدة القراء على حل مشاكلهم هو أهم بكثير من المصطلح نفسه.

وللعلاج بالقراءة تاريخ طويل، فقد سجلت المصادر أن المصريين القدماء هم أول من أدركوا القوة العلاجية للكتاب سواء بالسلب أو الإيجاب. فنحن نعلم أن المكتبات المصرية القديمة كمكتبات المعابد في الكرنك وإدفو ودندرة كان يكتب على جدرانها «هنا علاج الروح»، «هنا بيت علاج النفس»، كما انتقلت تلك المفاهيم إلى المكتبات البابلية والآشورية، ثم المكتبات اليونانية والرومانية. كما عرف العرب طوال تاريخهم بالبيان، والشعر هو إحدى المواد الأدبية المستخدمة في العلاج بالقراءة بكثافة على المستويات العالمية. والمتتبع للتراث العربي والإسلامي يلمس بوضوح أن هذا الأسلوب العلاجي قد استخدم كثيراً وما زال. وقد وردت في كتب التراث قصص عديدة عن التداوي بالقرآن الكريم، ويكاد لا يخلو كتاب تراثي من رواية هنا وهناك تفصح عن التداوي بالشعر والقصة. وفي هذا السياق أجريت تجارب للعلاج بالقرآن الكريم في موسكو عام 1963 على خمسة وعشرين من المتطوعين المصابين بالصداع النصفي من غير المسلمين، حيث استخدمت المعوذات (قل هو الله احد) على شرائط تسجيل ووجد أنه في 97% من تلك الجلسات كان لتلاوة القرآن الكريم أثرها في تهدئة الجهاز العصبي لديهم وتخفيف الصداع، ووجود تغيرات فسيولوجية لديهم تدل على تخفيف حدة التوتر رغم أنهم من غير الناطقين بالعربية.

يعود تاريخ تقديم خدمات العلاج بالقراءة والكتاب في المستشفيات الغربية على نطاق واسع إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ثم الولايات المتحدة الأميركية. وقد اشتهر بنيامين روش بأنه أول من أوصى بالقراءة في علاج المرضى، وكان ذلك عام 1802. ويعتبر عمل الأمينة الفذة إ. كاتلين جونز في سنة 1904 كأول أمينة مكتبة تقوم ببرامج ناجحة للعلاج بالقراءة في مكتبات مستشفى ماكلين في ويفرلي في ماساشوستس حلقة مهمة في تاريخ العلاج بالقراءة، وكاتلين جونز هي أول أمينة مكتبة مؤهلة ومدربة تقوم باستخدام الكتب في علاج المرضى عقلياً. وعلى الرغم من ذلك تأخر استخدام أساليب العلاج بالقراءة مع الأطفال والناشئة الى منتصف الأربعينات من القرن الماضي.

قليلون في العالم العربي من المختصين بعلم النفس الذين يعرفون العلاج بالقراءة، ناهيك عن ممارستها في عياداتهم العامة والخاصة، على الرغم من التطور في مجال العلاج بالقراءة على المستويات العالمية.

وحتى يصبح ذلك ممكنا فإنه ينبغي الاهتمام بالدراسات التي تعتني بهذا المجال، كما ينبغي إرشاد أمناء المكتبات إلى كيفية استخدام هذا النوع من العلاج، وتصنيف الكتب التي يمكن استخدامها في العلاج النفسي، ووضع قوائم بيبليوغرافية بها. كذلك ارشاد معلمي المدارس الذين سوف يتقنون التحكم في فصولهم إذا تعلموا كيف يعالجون مشاكل تلاميذهم من دون أن يحسوا عن طريق القراءة.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More